يُعد إنهاء عقد العمل من أكثر اللحظات حساسية في العلاقة بين العامل وصاحب العمل، فبينما يفقد العامل مصدر دخله فجأة، قد يجد صاحب العمل نفسه أمام مطالبات مالية لم يحسب حسابها. وهنا يأتي دور المادة 77 من نظام العمل السعودي، التي تُعتبر خط الدفاع الأول عن الطرف المتضرر من إنهاء العقد دون سبب مشروع، سواء كان عاملًا أو صاحب عمل.
في هذا المقال نشرح نص المادة، وحالات استحقاق التعويض، وطريقة حسابه بأمثلة رقمية واضحة، والخطوات العملية للمطالبة به.
ماذا تقول المادة 77؟
تنص المادة 77 من نظام العمل على أنه ما لم يتضمن العقد تعويضًا محددًا مقابل إنهائه من أحد الطرفين لسبب غير مشروع، فإن الطرف المتضرر من الإنهاء يستحق تعويضًا على النحو الآتي:
- أجر خمسة عشر يومًا عن كل سنة من سنوات خدمة العامل، إذا كان العقد غير محدد المدة.
- أجر المدة الباقية من العقد، إذا كان العقد محدد المدة.
- على ألا يقل التعويض في الحالتين عن أجر العامل لمدة شهرين.
ويُلاحظ من صياغة المادة أنها تحمي الطرفين معًا؛ فكما يستحق العامل التعويض إذا فصله صاحب العمل تعسفيًا، يستحق صاحب العمل التعويض أيضًا إذا ترك العامل العمل قبل نهاية العقد دون مسوّغ نظامي.
متى يُعتبر إنهاء العقد “غير مشروع”؟
لفهم المادة 77 لا بد من قراءتها مع مواد أخرى في النظام ترسم حدود الإنهاء المشروع:
- المادة 74 تحدد الحالات التي ينتهي بها العقد نظاميًا، مثل انتهاء مدته أو اتفاق الطرفين أو بلوغ سن التقاعد.
- المادة 80 تمنح صاحب العمل حق فسخ العقد دون تعويض أو إشعار في حالات جسيمة محددة حصرًا، كالاعتداء أو إفشاء الأسرار أو الغياب دون سبب مشروع للمدد المنصوص عليها.
- المادة 81 تمنح العامل حق ترك العمل مع احتفاظه بكامل حقوقه في حالات مثل عدم وفاء صاحب العمل بالتزاماته الجوهرية أو المعاملة المهينة.
فإذا وقع الإنهاء خارج هذه الأطر النظامية — كأن يُفصل العامل بسبب خلاف شخصي، أو لإعادة هيكلة دون سند صحيح، أو دون أي سبب أصلًا — كان الإنهاء غير مشروع، وانطبقت أحكام التعويض في المادة 77.
وميزة مهمة تحسب لهذه المادة: التعويض فيها مقرر بنص النظام، فلا يُطالَب المتضرر بإثبات حجم الضرر الذي أصابه؛ يكفي إثبات أن الإنهاء وقع لسبب غير مشروع ليستحق التعويض كاملًا.
كيف يُحسب التعويض؟ أمثلة عملية

الحالة الأولى: وجود اتفاق في العقد. إذا تضمن العقد بندًا يحدد تعويضًا معينًا عند الإنهاء غير المشروع، فالعبرة بما اتفق عليه الطرفان، ويُلتزم به مهما كان مقداره.
الحالة الثانية: عقد غير محدد المدة. يُحسب التعويض بأجر 15 يومًا عن كل سنة خدمة.
مثال: موظف أجره الشهري 8,000 ريال، وأمضى 6 سنوات في المنشأة، ثم فُصل دون سبب مشروع. أجر 15 يومًا = 4,000 ريال، فيكون التعويض: 4,000 × 6 سنوات = 24,000 ريال.
الحالة الثالثة: عقد محدد المدة. يستحق المتضرر أجر المدة المتبقية كاملة.
مثال: موظفة بعقد سنوي أجرها 10,000 ريال شهريًا، أُنهي عقدها بعد 4 أشهر فقط. المدة المتبقية 8 أشهر، فيكون التعويض: 10,000 × 8 = 80,000 ريال.
الحد الأدنى في جميع الأحوال: إذا كانت نتيجة الحساب أقل من أجر شهرين، رُفع التعويض إلى أجر شهرين. فالموظف الذي خدم سنة واحدة بأجر 6,000 ريال يستحق نظريًا 3,000 ريال فقط، لكنه يقبض 12,000 ريال إعمالًا للحد الأدنى.
ونقطة يغفل عنها كثيرون: الأجر المعتمد في الحساب هو الأجر الفعلي الشامل، أي الأجر الأساسي مضافًا إليه البدلات الثابتة كبدل السكن والنقل، وليس الأجر الأساسي وحده، وهو ما استقرت عليه أحكام المحاكم العمالية.
هل يغني هذا التعويض عن باقي المستحقات؟
لا. تعويض المادة 77 مستقل تمامًا عن الحقوق الأخرى التي تترتب بانتهاء العلاقة العمالية، فيُضاف إليه:
- مكافأة نهاية الخدمة وفق المادتين 84 و85 من النظام.
- بدل الإجازات غير المستنفدة.
- بدل الإشعار إن لم تُراعَ مهلة الإشعار في العقود غير محددة المدة.
- الأجور المتأخرة وأي مستحقات عالقة.
خطوات المطالبة بالتعويض
- التسوية الودية أولًا: يُقدَّم طلب عبر خدمة “التسوية الودية” في وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وهي مرحلة إلزامية قبل التقاضي.
- المحكمة العمالية: إذا تعذرت التسوية خلال المدة النظامية، تُحال الدعوى إلى المحكمة العمالية المختصة، وترفع الدعوى إلكترونيًا عبر منصة ناجز.
- الانتباه لمدة سماع الدعوى: لا تُقبل الدعوى العمالية بعد مضي 12 شهرًا من تاريخ انتهاء علاقة العمل، فالتأخر في المطالبة قد يُسقط الحق في سماعها.
ومن المهم توثيق كل ما يتصل بالإنهاء: قرار الفصل أو إشعاره، عقد العمل، مسيّرات الرواتب، والمراسلات ذات الصلة، فهي عماد إثبات عدم مشروعية الإنهاء ومقدار الأجر.
نصيحة أخيرة
قضايا المادة 77 تبدو بسيطة في ظاهرها، لكن تفاصيلها — كتكييف سبب الإنهاء، وإثبات الأجر الفعلي، والجمع بين التعويض وبقية المستحقات — كثيرًا ما تكون الفارق بين حكم مُنصف وآخر دون المأمول. لذا يُستحسن قبل التوقيع على أي مخالصة أو قبول تسوية، عرض الموقف على مختص. ويمكن لمن يواجه نزاعًا عماليًا في جدة أو غيرها من مدن المملكة الاستعانة بفريق متخصص في القضايا العمالية مثل مكتب محاماة الغامدي وتميم لتقييم الموقف النظامي وتقدير التعويض المستحق قبل اتخاذ أي خطوة.
فالمادة 77 لم تُوضع لتشجيع النزاعات، بل لتحقيق التوازن: فهي تذكّر صاحب العمل بأن قرار الفصل ليس بلا ثمن، وتطمئن العامل إلى أن النظام لا يتركه دون حماية.
إخلاء مسؤولية: هذا المقال لأغراض التوعية القانونية العامة ولا يُعد استشارة قانونية ملزمة.