!There must be a reason

عندما درست مادة العدالة عند أستاذ العلوم السياسية الشهير “ساندل” كان توقعي أن المادة ستُقدم للتلميذ معايير للعدالة والحق والباطل خصىوصاً أن اسم المادة وكتابها :

?Justice: what’s the right thing to do

العدالة: ماهو الشيء الأصوب لنفعل أو ما الجدير فعله؟

لكن الذي لفت انتباهي، وأراه الهدف الغير مصرح به للمادة، هو إقناع المتلقي “الطُلّاب” بأن ليس هناك معايير للحق والباطل والخير والشر، وأنه ينبغي علينا ألا نصدر حكماً في حَدَث مهما كان الموقف منه واضحاً عندنا لأنه ربما يكون هناك سبب خفي أو عوامل لا نعرفها!!
وبالتالي فما تمارسه الدول والأنظمة من العدوان والغزو والاحتلال وما نراه من مذابح وتعذيب وتشريد للأبرياء وغير ذلك من أنواع البغي والظلم التي يرفضها العقل السوي؛ لا ينبغي الجزم بخطئها، لأننا لا نعرف ملابساتها، وربما كان ذلك التصرف والفعل الظالم هو الحل الوحيد أو الذي تقتضيه المصلحة إلى غير ذلك من التبريرات التي تجعل الانسان يتحول من نصرة المظلوم ومواجهة المعتدي إلى اتخاذ موقف الوسط بين الاثنين أو اختيار موقف الصمت.

فعلى سبيل المثال:

قامت الطائرة بقصف بيت تسكنه عائلة من الأبرياء في دولة من الدول، أو قام جندي بذبح طفل صغير! فما رأيك في هذا التصرف؟

العقلٍ السليم سيرفض هذا التصرف لأنه ظلم وعدوان وجريمة.

هنا يتم تقديم احتمالات وملابسات، لنفس القضية، مثلاً: ما رأيك لو تُرك هذا الطفل ولم يُقتل ثم اكتشفنا أنه كان جاسوساً تسبب في قتل عشرة من الجنود فيما بعد؟

هنا يتزعزع رأي التلميذ وربما يتراجع أو يلتزم الصمت ويحاول ألا يخوض في هذه القضايا مرة أخرى.. لماذا؟

لقد استقر في ذهنه أن الأحداث التي نراها وتحرك ضميرنا الانساني ونحكم عليها بعقلٍ سليم ربما تكون على خلاف الصورة التي نراها!

‏There must be a reason!
أو ربما يكون هناك سبب لا نعرفه!

هذا السبب الذي لا نعرفه لا يجعلنا نتوقف عن إبداء آرائنا حتى في الأمور الواضحات فحسب بل يجعلنا أيضاً نُبرر للظالم جريمته وللمعتدي فعله، لأنه فعل ذلك لمصلحة ربما لا نعرفها! ونحن هنا نُسوي بين الظالم والمظلوم، والمجرم والضحية، وبالتالي فنحن في صف الظلم حقيقة!

هذه الفكرة ليست مقتصرة على مادة العدالة المُشار إليها، بل تحتل حيزاً كبيراً من الطرح الأكاديمي والأطروحات السياسية والفلسفية التي تُخاطب الفئة المتعلمة..

بينما يتكفل الإعلام – من جهته – بتثبيت هذه الفكرة في عقل باقي المجتمع عبر ضخ سيل من الاخبار المتناقضة والمتباينة والمتسارعة مما يجعل عقل المشاهد يلهث حتى يتوقف تماماً عن التفكير والتصريح بموقفه من القضايا الواضحات لأنه أُقنع بأن ما يراه ليس إلا جزء من الصورة وبالتالي فلا ينبغي أن يبدي اعتراضه أو تأييده!

التردد والتغاضي والاحجام عن نصر الحق ودفع الظلم، هو نتيجة لما أشرنا إليه، بالإضافة لعوامل أخرى، ومنها انتفاء المطلق واليقيني في الفكر الغربي! وليس هذا الموطن موطن الإسهاب في هذا ..

حالة الفوضى هذه لم تعد خاصة بالمجتمع الغربي، بل مُشاهدة في النقاشات العربية والاسلامية وتستطيع أن تراها بوضوح في تعامل الناس مع الاحداث من حولنا، خصوصاً تلك الاحداث التي لا تحتمل إلا موقفاً واحداً، ولا تحتمل الحياد فضلاً عن الانقسام إلى فريقين فضلاً عن الانقسام إلى فرقٍ وآراء شتى..

ولئن كان الغربي يُعبر عن هذه الحال البائسة بقوله:
‏!There must be a reason

فإن الشرقي يعبر عنها بـقوله:
أكيد فيه شيء ما نعرفه وهم أبخص!

…..
– تراثوي

اترك رد