“أبو المساواة على أم الحريات!!”

“أبو المساواة على أم الحريات!!”

مقال للكاتبة المغربية مايسة الناجي فيه اعتراف صريح بضرورة التراجع عن فكرة المساواة بين الرجل والمرأة

المقال: “أبو المساواة على أم الحريات”

أنا متأكدة أن المؤيدين للمساواة بين الجنسين، أو ما يسمى بالـ”فيمينيست”، لو نزلوا من مكاتب جمعياتهم الفاخرة إلى قبو أحد المعامل، حيث الصفوف المتراصة لشغيلات تتراوح أعمارهن بين 14 و63 سنة، وسألوهن إن كن يعشقن عملهن وسعيدات بالحرية والحداثة التي أخرجتهن من بيوتهن في الساعة الخامسة صباحا حتى الثامنة ليلا، ليصبحن قوّامات على رجال العائلة الحشاشين.. لقلن حرفيا: “ينعل أبو المساواة على أم الفيمينيزم”!.

أنا متيقنة أن الداعين إلى حرية المرأة، لو تركوا النضال أمام ساحة البرلمان النظيفة بالعاصمة الرباط، وتوجهوا إلى جبل من جبال الأطلس، حيث معلمة مهمشة في أحد الدواوير المقطوع ماؤها، المنعدمة كهرباؤها، الغائب أمنها، تنتظر قرار “الالتحاق بالزوج” منذ خمس سنوات، وسألوها إن كانت تعشق المساواة التي وضعتها في نفس اللائحة مع زميلها الرجل عند تخرجهما من مدرسة التعليم، فتم إرساله هو إلى المدينة، وهي إلى البادية، بعيدا عن زوجها وأسرتها، لقالت: “ينعل أبو المساواة على أم من اخترعها”!.

أنا واثقة، أن الفئة الأولى تتمنى لو كان لديها أب ينفق أو زوج قوام يتحمل المسؤولية المادية أو دولة تكفل المرأة التي ليس لها معيل، حتى يرتحن من إرهاق وضنى وجهد ذاك العمل الذكوري المحض. وفي المقابل يتركن تلك الوظائف في المعمل لآلاف الشباب العاطل، الذين لا يجدون المال لفتح بيت، ولمّ شمل صديقاتهن العوانس! وفي ذلك خير لمجتمع بأسره: نقص البطالة وزواج العانسات وراحة “الستات”!

وأن الفئة الثانية تتمنى لو يكون هناك قانون يفرق بين الرجال والنساء عند التخرج: يبقي النساء قرب أسرهن، حتى لا يغامرن بأمنهن وسلامتهن واستقرار أزواجهن وأطفالهن في مكان ناء، لا تتوفر فيه أدنى شروط الحياة. بل إني أكيدة أن الرجال والنساء في ذلك المكان النائي في الجبل، لا يفكرون في مساواة ولا في “فيمينزم”، وإنما يحلمون بلقمة سائغة طيبة وعيش كريم. وأن شعارات جمعيات المساواة بالنسبة لمعاناتهم ليست إلا سخرية وتهكما واستهزاء من رجال يعانون مثل النساء تماما في تلك الظروف القاسية التي لم ترحم منهم أحدا.

لن يختلف عاقلان على أن شعارات دعاة المساواة هي فلسفة رأسمالية واضحة المعالم، تروم إلى إخراج المرأة من الطبقة الفقيرة والمتوسطة للعمل جنبا إلى جنب مع الرجل لخلق مجتمع عمالي، مع انحدار مستوى التعليم في البلد، ومحاولات تدريجه، حتى تكون هذه الطبقة الكادحة الشغيلة محدودة التفكير، تلقف ما يروج لها عبر الإعلانات والاشهارات لينضج لديها السلوك الاستهلاكي، فتقترض من بنوك الرأسماليين لتشتري سلعهم ثم تذهب إلى معاملهم لتشتغل لديهم وترد لهم القرض من راتبها مضاعفا بالفوائد.

ثم تهدف إلى إضعاف الأسرة عبر منع الفتيات البالغات بنات 16 و17 سنة من الزواج، وتعطيله لدى الشابات بذريعة تكوين أنفسهن، حتى يعم مبدأ الفردانية. ومعلوم أن الفردانية في المجتمع تزيد حجم الاستهلاك، إذ أن مجموع ما يستهلك المجتمع حين يكون الاستهلاك فرديا هو أضعاف مضاعفة بالملايين لما يستهلك المجتمع حين يكون الاستهلاك جماعيا، داخل أسرة، أو داخل العائلة حين كانت تجتمع فيما يسمى ب”الدار الكبيرة”. فمجموع ثمن أربعة ساندويتشات يساوي أربع مرات ثمن صحن “طجين” يأكل منه سبعة أفراد.

فكر المساواة يجعل المرأة تظن أنها تحررت وتقوّت وفازت، وهي في حقيقة الأمر جارية للرأسمالية، عبدة للاستهلاك، أمة للقروض الربوية، سبية للموضة، مقيدة داخل أجندة تعريها لتروج بها المنتجات عبر الإعلانات، وتنفخ صدرها وشفاهها لتستنفد فيها بقايا الكيماويات، وتغير خلقها حتى تصير مسخا بشريا، ثم تجعلها جارية رقص وغناء للترفيه والترويح عن أنفس السفهاء، وتجعل منها عاملة وشغيلة وموظفة لتقترض وتتدين أو تفسد لتغتني وتنذل في شهوة “الشوپينج” والاستهلاك والشراء.

وأما الحرية الحقيقية للمرأة فإنما هي حقها في الاختيار، أن تعمل أو لا تعمل، أن تتزوج أو لا تتزوج، داخل منظومة أسرية من رجل منفق قوّام يغنيها عن العمل المهين، وداخل منظومة اجتماعية متكافلة تحميها من شهوة الاستهلاك، ومن جشع الرأسماليين، وداخل دولة تتكفل بها إن فقدت الأب والزوج حتى لا تضطر للعمل دون رغبة في ظروف لا تحترم أنوثتها، ولا تفرق بين الرجال والنساء.

الحرية الحقيقية هي حق المرأة في أن تعيش في منظومة تعاملها كامرأة وليس كرجل، فهما ليسا سواء.

اترك رد