أخاف أن لا أصل !

أخاف أن لا أصل !

الأدب ليس ترفاً .. الجمال ليس كمالياً، لكنهما يخلقان الحياة في الحياة، ويرممان النفس في النفس، ويفتقان الخيال في الخيال، إنها طريقة البشر للتعالي على عالمهم المحسوس بعالم آخر تخلقه الملكات التي ميزوا بها على سائر الخلق .. حيث لا يغدو الحزن بالضرورة قبيحاً، ولا الألم موحشاً .. حيث ترى وتري ما لا يرى ، حيث اللغة المشتركة لكل بني آدم تستحيل إلى أشكال أخرى ..
أعترف ، إنها طريقتي الخاصة في التشافي ، مذ عرفت هذا العالم على وجه قريب من سحنته الحقيقية هرعت إلى قبو الدرج ، تتبعت أبيات الشعر في فهارس الكتب ولاحقت قطعه في كل مكان حتى على أغلفة دفاتر والدي ، أو تلك الأخرى التي كان يكتبها ساهماً وهو يفكر على حواشي الصفحات ، جمعت ديواناً صغيراً بشعره واختياراته .. اختيارات والدي كانت تعويذتي الأولى في الحياة .. كعصفورة في كف طفل يزمها * تذوق حياض الموت والطفل يلعب … هذا البيت ناصع في ذاكرتي ، قريب .. وأشد وضوحاً من كل ذكرياتي .. مخطوطاً على طرة أكثر من دفتر له ، مصافحتي الأولى لمفارقات العالم ، وتناقضات العالم ، ووجع هذا العالم .. أحببت والدي الشاعر بذات الجنون الذي أحبني به، يبدو مذهلاً حين ينطلق بقصيدة جاهلية من محفوظه لا أفهم منها إلا بضع كلمات معدودات .. هذا السحر ابتلعني ، جعل معلقة امرئ القيس أغرب أسطورة عرفتها .. جعلها من تلك اللحظات التي تعرف نفسي بها نفسي .. لم يعد والدي يقرض الشعر ، مله .. ولم يعد ينشد أشعاراً جاهلية إلا مستشهداً في كل عام مرة أو مرتين ، ربما وجد شيئاً أكثر جدوى ، أكثر حقيقية .. والدي لم يعد يهتم ، وأنا مازلت أبحث عن أساطير جديدة ، أفتش تحت كل ركام .. أقلب كل صفحة تبعث لي شيئا شبيهاً بدهشات الطفولة .. مازلت أجد ، وأخاف أن لا أجد ، أخاف ألا يشفيني الشعر أخرى .. إلا أن أجد الشيء الأكثر حقيقية كما فعل والدي .. وإلى ذلك .. أخاف ألا أصل ..

…….
بقلم / بان

اترك رد