حيلة الدفاع عن حقوق الإنسان!!

حيلة الدفاع عن حقوق الإنسان!!

باستثناء الرجعيين الذين يعتقدون أن المراتب الاجتماعية أمر قائم في الطبيعة وأنه يوجد رجال قد خُلقوا لكي يقودوا وآخرون لكي يطيعوا، يتفق الجميع على القول إنه يجب الدفاع عن حقوق الإنسان. ولكن يجب القبول أن هؤلاء وأولئك لا يتحدثون عن ذات الشيء. إذا كان المقصود من هذا التعبير إمكانية كل فرد بالتمتع بالخير العام، فإن الحق بالعمل، والسكن والعناية الطبية والتعليم يعتبر جزءاً من حقوق الإنسان- أو من الحقوق الإنسانية، لا تتلاعبوا بالكلمات- مثلما هي حرية التعبير أو اختيار الميول الجنسية جزء من هذه الحقوق. إن أخذ حقوق الإنسان على محمل الجد يعني أن تتضمن الحقوق الجماعية، أي إمكانية العيش في شروط مادية لائقة.

إن ناشطي حقوق الإنسان، مع ذلك، لا يكترثون سوى بالحقوق الفردية ويتخلون بشكل واضح عن الحقوق الجماعية. إن تعرض بعض الأفراد للاعتقال أو منعهم من التعبير عن آرائهم من قبل حكومات تسلطية هو أمر لا يطاق بالنسبة إليهم، ولكنهم لا يبالون أن تخضع حشود كبيرة من الجائعين لقانون رأس المال المعولم الجائر. إن تعاطفهم مع الإنسانية المعذبة انتقائي بشكل غريب. إنهم لا يتحركون إلا من أجل أقليات أو أفراد منعزلين، يعملون بحسب كل حالة على حدة وينتقون الأفراد أو المجموعات التي يرون أنها تثير اهتمامهم، ولا نراهم أبداً يقفون إلى جانب طبقة مضطهدة اجتماعياً.

إن المفردات التي تستعملها غالبية المنظمات غير الحكومية- ومعظمها أنكلو-ساكسونية- يشهد على ذلك بكل وضوح. إنها تريد مكافحة التمييز وليس الاستغلال، الإقصاء وليس الفقر، الحرمان من الحرية الذي يلحق بالبعض وليس البؤس المفروض على العدد الأكبر. إن فلسفتهم هي فلسفة الفردية الليبيرالية، التي لا تعترف سوى بأفراد لهم حقوق ولا تهتم إن كان من بينهم أغنياء أو فقراء. لن نتحدث عن الصراع الطبقي، هذه الكلمة الكبيرة التي لا يطيقون مجرد لفظها. الصراع الوحيد الذي يهتمون به، هو الذي يهدف إلى رص صفوف أفراد غير محسوسين حول نموذج يقتصر على الحريات الشكلية- والفردية- متناسين بلا مبالاة أن هذه الحريات لا يمكن أن توجد إلا في ظل شروط معينة.

باختصار، إن الدفاع  عن حقوق الإنسان يخفي حقيقة أن هذه الحريات الفردية لا يمكن أن تتحقق ما لم يتم ضمان الحقوق الجماعية عن طريق البنى الاجتماعية التي تعززها. بمعنى آخر، إن الحقوق الفردية ليست حقيقية ما لم يكن الأفراد يحصلون على الغذاء، والمسكن والدواء  بالشكل الصحيح، وهذه الشروط لا يمكن أن تجتمع بدورها ما لم يقم ميزان القوى بين الطبقات الاجتماعية بسن القوانين التي تكفل استمرار هذه الشروط. أخيراً، إن المدافعين عن حقوق الإنسان ينسون بسذاجة أن الأفراد لا يشكلون شيئاً بدون المجتمع وأن الحقوق الفردية التي تتم المطالبة بتحقيقها ليست سوى قبض الريح إذا كان المجتمع مقسوماً ما بين مسيطرين ومغلوبين.

إن عدم الاكتراث هذا بشروط ممارسة الحقوق رغم أنها الركيزة الأساسية لدعايتهم التي يستندون عليها ليس أمراً مثيراً للدهشة. وبما أنهم برجوازيون صغار من البلدان الغنية، فإن المدافعين عن حقوق الإنسان إنما يدافعون عن الحقوق التي يتمتعون بها،  والتي يمكن أن يتمتعوا بها أو التي يرغبون أن يتمتع بها أشباههم. لماذا سيصرفون طاقتهم في النضال ضد الجوع في العالم طالما أن طبق طعامهم ممتلئاً؟ لماذا سيقاتلون من أجل الامتلاك الجماعي للثروة طالما أنه ليس لديهم أية مشكلة في نهاية الشهر؟ بنضالهم من أجل حقوق الإنسان، يقومون برش الماء المقدس على حالتهم الروحية بصفتهم أثرياء مدللين لا يوجد في ظروف حياتهم أي شيء يقودنا إلى التساؤل عن منابع الاضطهاد والظلم التي يرددونها بشكل دائم، لكن دون معرفة عمّا يتكلمون.

أن يكون الفقراء فقراء هو أمر قليل الأهمية بنظرهم، لأن الفقراء يطالبون عموماً بشيءٍ آخر غير الاعتراف بالحقوق الفردية التي أضحت مستحيلة بدون الحقوق الجماعية. حين يسير الثراء الفاحش جنباً إلى جنب الفقر المدقع، فإن المطالبة بحرية التعبير مع الحد الأدنى من الجدية سوف تؤدي إلى المطالبة بنزع ملكية الرأسماليين الذين يسيطرون على الصحافة من أجل خلق الشروط لإعلامٍ أكثر موضوعية. لكننا لم نسمع واحداً من المدافعين عن حقوق الإنسان يصوغ هذا النوع من المطالب. إن السيطرة على وسائل الإعلام لا تظهر أمام غضبه الانتقامي إلا حين تتم ممارستها من قبل الحكام الدكتاتوريين الشريرين الذين يقومون بتحدي النظام العالمي الجديد. أما الآخرون فلا مشكلة إن سيطروا على الإعلام.

إنه انتقائي، هذا السخط الإنساني المزعوم ويختار ضحاياه. بإمكان الآخرين أن يموتوا. أثناء سقوط الشيوعية، سنة 1991، صاحت منظمات حقوق الإنسان صيحة النصر. وبما أنه تم اختراع ايديولوجيا حقوق الإنسان من أجل النضال ضد الاتحاد السوفييتي، فإن هذا الانتصار النهائي قد كرس نظرتهم للعالم. ولكن لم تقم أية منظمة من هذه المنظمات بالإشارة  إلى أن السجون السوفييتية كانت فارغة منذ زمن بعيد وأن الشمولية التي جعلت منها الفلسفة السياسية في سنوات 1970 الشر المطلق كانت عبارة عن قوقعة فارغة. لا وجود لأي إحساس، لدى الإنسانيين، حين يتأكدون أنه في ظل حكم يلتسين (1991-2000) تناقص معدل الأعمار بمقدار عشر سنوات تحت وطأة الإصلاحات الهيكلية التي أملاها صندوق النقد الدولي على روسيا. إنه أمر طبيعي. إن المسنين والصغار الذين يموتون بالجملة في النعيم الرأسمالي لا يثيرون الاهتمام لدى المدافعين عن حقوق الإنسان.

يتم اختصار الإنسانية المعذبة التي تهتم بها المنظمات غير الحكومية المعجونة بالإنسانية بجمع غير محدد المعالم من أفراد غير محسوسين، مدمرين، لا يهتم بمصيرهم أحد إلا في حال كونهم شاهداً على خرق حقوقهم الفردية، وخاصة في بلاد بعيدة يتم كتابة المحضر بحقها بناءً على العقيدة الغربية. لم تثر ثائرة “منظمة العفو الدولية”- وهي عنوان للدعاية الكاذبة- أبداً ضد معاناة 800 مليون شخص من سوء التغذية، أو ضد الاستغلال الفاحش الذي تخضع له مئات الآلاف من العاملات من قبل الشركات الغربية المتعددة الجنسية على الحدود المكسيكية. سوف تتم الإجابة بدون شك أن الموضوع الاجتماعي ليس من اختصاص المنظمة، وسوف أجيب بدوري أن تلك بالضبط هي القضية التي يجب الإلحاح عليها.

هذه الانتقائية الثلاثية في اختيار الحقوق، والأشخاص المعنيين، وأخيراً البلدان التي يتم تسليط الأضواء عليها، تفسر إذن الكثير من الأشياء. إنها تفسر الفرز بين الضحايا مع تفادي تجريم البنى- بنية الاستغلال الرأسمالي المعولم- المسؤولة عن 90% من المصائب التي حلت بالبشرية. وتفسر أيضاً افتتان منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان غير الحكومية بالدفاع عن المثليين الجنسيين. إن النضال ضد التمييز الذي يتعرضون له أمر شرعي، لكن يجب الوضوح حول الانعزال الذي يتولد عنه. لأن هذه القضية، بنظر المدافعين عن حقوق الإنسان البرجوازيين الصغار، تمتلك ميزة تجاوز الانقسام الاجتماعي، وترحيل قضية العلاقات الطبقية، باختصار إضفاء طابع من الشمولية المجردة على النضال من أجل حقوق الإنسان وهو أمر في صالح المصالح المهيمنة.

كما تتيح الانتقائية في مجال حقوق الإنسان الفهم لماذا تقترن إدانة الخروقات لحقوق الإنسان بالمحور شمال- جنوب دوماً (أي تتجه صوب الجنوب- من المترجم). لا توجد أية منظمة غير حكومية فنزويلية مثلاً تشن حملة ضد وضع اليد على جميع وسائل الإعلام تقريباً في فرنسا أو في الولايات المتحدة من قبل حفنة من أصحاب المليارات. بينما بالمقابل، تقوم المنظمات غير الحكومية الغربية بالشجب دون توقف للخروقات في مجال حرية الصحافة في فنزويلا، مع أن الصحافة في فنزويلا، وبعيداُ عن كونها تتعرض للقمع من قبل السلطات، مملوكة من قبل حفنة من الرأسماليين الذين يناهضون الحكومة. إنها آلة حربية ضد الدول الممانعة، لذلك تتمتع قضية الدفاع عن حقوق الإنسان بتمويل هائل، على شاكلة هؤلاء “الخوذ البيضاء” الذين يلعبون دور الجهاديين ودور المسعفين في الوقت عينه بفضل الأموال التي دفعتها المؤسسات البريطانية وبلغت 15 مليون دولار. وبواسطة عدة الماكياج تمكنوا من فبركة حتى الضحايا من أجل إثارة مشاعر الشعوب المسمرة أمام الشاشات.

هذه الأمثلة تبين أيضاً أن الوظيفة المستعجلة لإيديولوجيا الدفاع عن حقوق الإنسان-وبمساعدة من الأجهزة الإيديولوجية الكبيرة التي تشكلها المنظمات غير الحكومية- هي النيل من سيادة الدول التي يتم اختيارها كأهداف. من مؤسسة جورج سوروس وصولاً إلى الأوكار التي تشارك بالنزاعات المسلحة تحت غطاء العمل الإنساني مروراً بالثورات الملونة التي يتم تنظيمها في الخارج، تقوم مجرة حقوق الإنسان بالتدخل في كل مكان، موزعة الدعم والخطابات والشهادات الأخلاقية لمن يتنافسون على هدف وحيد هو زرع الفوضى في البلدان الموجودة على اللائحة التي تقدمها وكالة المخابرات المركزية الأميركية وذنبها الوحيد أنها تقف عقبة أمام الهيمنة الغربية. إن روسيا تعرف الشيء الكثير عن هذا الأمر، ونفهم أنها قامت بتحييد هذه الحفنة من العارضات نصف المعتوهات (منظمة فيمن) اللواتي يلحق نشاطهن الضرر بمصالح الشعب الروسي.

إن كل هذا التحريض حول حقوق الإنسان، والمنسق بشكل بشكل متقن، يهدف إلى إفراغ حق الشعوب في أن تنطم حياتها كما ترغب من جوهره. إنه تدخل موجه ضد حقوق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها، وهو تدخل يشكل تهديداً للمجتمعات التي لا تعجب واشنطن ولندن أو باريس انطلاقتها أو مقاومتها. إن التدخل العسكري ضد الآخرين، الذي تتم ممارسته على نطاق واسع، لم تعط دوماً النتائج المرجوّة. تم استبدال التدخل بسيف ديموقليس هذا المسلط على رأس جميع من تجرأ على تحدي الإمبراطورية وعلى الاعتراض على احتكار الدولار. لعجزه عن قصف معارضيه الأجانب بالسلاح الثقيل، قام الغرب المتعجرف بالتلويح براية الأممية الإنسانية التي التقطها اتجاه يساروي قام بتذويب أوهامه الضائعة في البكائيات ونسي تروتسكي بوجود برنار هنري- ليفي، ويقوم بالتلويح  بالشعارات الساحرة ذات المظهر المخادع حول حقوق الإنسان، مبهراً الكثير من الناس الطيبين الذين لا يرون أن هذه الإيديولوجية هي قناع للإمبريالية.

لقد اعتقد الغرب أنه اكتشف حجر الفلسفة، من خلال مفهوم حقوق الإنسان، وهو مع ذلك، مفهوم يختلف معناه من بلد لآخر. بالنسبة للصينيين، الحق الأول للإنسان قبل جميع الحقوق هو أن لا يموت جوعاً. إن هذه الأولوية ليست كذلك بالنسبة لليسار الغربي، وإلا لكان قد قام بحشد المزيد من الطاقة في النضال ضد الجوع في العالم بدلاً من الترويج لحقوق الأقليات. لكن هذا الاختلاف ليس سبباً كافياً للقول إن الأفكار الصينية لا تساوي شيئاً. كان أرسطو يقول “حين نكون عديدين، فإننا أقل تعرضاً للخطأ من كوننا وحيدين في اتخاذ القرار”. بودنا أن نتقبل أنه يمكن لمليار و 379 من الصينيين أن يخطئوا، ولكن من الصعب الاعتتقاد أن الأمر يمكن كذلك طوال الوقت، خصوصاً أن بلدهم الذي كان ركاماً من الأنقاض سنة 1949 هو اليوم القوة الاقتصادية الأولى في العالم. في غياب بضعة ضربات يستحقها على خيشومه، فإن قليلاً من الإذلال سوف يبعد الإنسان الغربي عن الميل الميؤوس منه لإعطاء الدروس للأرض بكاملها.

23 آب 2017

……….
الكاتب: برونو غيغ*
ترجمة: علي إبراهيم
 
* Bruno Guigue موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة. أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة “الإسرائيلية” في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.

………
المصدر:

http://orhay.net/index.php?singlePage=MTE1Mw==

Posted by Bruno Guigue on Wednesday, August 23, 2017

 

اترك رد