الآن الحياة انتهت يا صديقي !

[ قصة آلة ]

هذا الركض المحموم خلف المال ، اللهث المستمر بحثاً عن (الأمان) الذي ما عاد أماناً .. الحلق اليابس عدْواً خلف السراب ، يا له من سخف أن لا يبقى على قمة جبلك غير هذا الزَّبد ! أن لا يبقى في لوحة أمانيك سوى هذا الغثاء ! أن يجري عقرب ساعاتك طلباً للذَّات تسفُّها رياح الزمن .. أن تجعل مشاعرك ، أفراحك ، رحلات استجمامك وأنسك ، مسامرة إخوانك …إلى آخر ما لا تعود به الأيام) أن تجعله نفلاً له فضلة الوقت والمزاج والطاقة .. أن تجلس معهم -بعد أن أجَّلتهم مراراً- ولا يدور حديثك إلا حول التأهب للدنيا والاستعداد للعيش والكروب الحمر وتأمين المستقبل الذي لا تدري أتبلغه أم لا .. ولعلَّك لا ترفع فنجان قهوتك إلى فمك كما وقع ذلك لكثيرين كانوا يحدِّثون جلساءهم عن السنوات القادمة وملَك الموتُ عند باب مجلسهم يرقب إذن الله ..

أن تنذر نفسك للمال ، للوظيفة ، للدنيا !!.. وأي حياة هذه ؟ ما أكثر الذين ودُّوا لو عاد سواد الشعر إليهم فيعيشوا ضحكات أبنائهم ومزاح إخوانهم وشظف العيش الذي كان يجمعهم في سفرةٍ واحدة .. ها قد تزوج فخرج عن بيت أمه وأبيه قبل أن يعيش معهم ، ثم ها هم أولاده يتزوجون فيخرجون قبل أن يعيش معهم ، حتى إذا أمَّن مستقبله الجميل وبنى دارَه وزوَّج بنيه ..
قال لسان حاله : الآن نبدأ الحياة …
الآن الحياة انتهت يا صديقي !

أن تقف على باب مجلسك متوكِّئًا على عصا ستِّينك تقلِّب طرفك في مجلسٍ ذهب الزمان ولم تَبْتَع لأسماره أصحابا .. تنظر في يدك ، فإذا هي قابضةٌ على عصاك .. لا على يدٍ ألِفَت التَّرْبِيتَ على كتفك .. تجلس في حضرة الليل ، فإذا في نفسك أغوارٌ موحشة ، لم يؤنس طرقاتها أحد .. تنظر في حكاياك ، فإذا هي تعنيك وحسب ، ليس فيها غيرك ، ولا يسع أحداً أن يسمع تفاصيلها سواك ! .. تنوء روحك بالأثقال ، ويقَع حمَّالُكَ إعياءً قبل أن يشرع له صدرٌ يلقي الأثقال في رحبته ، ويمضي خفيفاً .. تمر بالسِّكَك ، فتبسم ، ولا يبسم معك أحدٌ تذكَّر الموقف الطريف الذي تذكَّرته ؛ ذلك أنك ركبتَ جواد الحياة بلا رديف ! .. الدروع المتراصَّة على الرَّف ، لم يَشْهَد أحدٌ تتابعَ وضعها هناك .. وليس هناك من شاهد عرقك في طريق صعودك الجبل .. وغالباً هذه الإنجازات لن تستطيع قصَّ قصصها على أحد ، إما شبابٌ مشغولون بنيل ما نلتَ ، أو صغارٌ لا يعلمون أن طريقَك الوَعْر هو من خضب مفارقك بالبياض لا تتابعَ الأيام ، أو قرناء كهول لم يعد في لياقة أرواحهم ما يكفي لتقييد الحسد والفَرَحِ لك كلما قصصتَ كفاحك .. حسناً ، يبدو أنك نسيت أن تصحب معك من تستطيع أن تختصر له الأحداث -لأنه يعلمها- وتسهب له أحياناً -لأنه يستمتع معك- ولا تخشى غائلة حسده وغيرته -لأنه يحبك ، وخاض الموج بصحبتك- .. حاول أن تُطِيل زمن التخطيط لرحلتك إلى بلدٍ كُنتَ تحلم بزيارته منذ زمن ، أخشى عليك من ألم التذاكر التي نسيتَ أصحابها في منتصف الطريق ، يوم كانوا يهتفون لك من فوق الثنيَّة ، وقد يمَّمتَ نحو بريق الدُّروع ! ها أنت عشتَ حياةً آلية جافة ، رجاء أن ترتاح وتبني المستقبل الآمن ، وها قد جاءك ، وأظنه قد ساءك !

——————
عمار العتيبي

اترك رد